الغزالي
68
الأربعين في اصول الدين
العقل بترك كنز مكنوز ، وأخذ مدرة « 1 » ؟ هذا لو لم يكن فيه إثم ، فإن كان إثم ، فقد استبدل بترك كل كنز وأخذ شعلة من النار . ومن جملة ما لا يعني حكاية الأسفار وأحوال أطعمة البلاد وعاداتهم ، وأحوال الناس ، وأحوال الصناعات والتجارات ؛ وهو من جملة ما ترى الناس يخوضون فيه . [ فصل تفصيل هذه الآفات ] لعلك تريد أن تعرف تفصيل بعض هذه الآفات ؛ فاعلم أن الغالب على الألسنة من جملة العشرين آفة خمسة : الكذب ، والغيبة ، والمماراة ، والمدح ، والمزاح . [ الآفة ] الأولى الكذب : وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك منه الناس ، ويل له ويل له » . وقيل : يا رسول اللّه ، أيزني المؤمن ؟ أيسرق المؤمن ؟ قال عليه السلام : « قد يكون ذلك » ، فقيل له أيكذب ؟ فقال : « لا ، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات اللّه » . وقال عليه السلام : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر : الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين » ، وكان متكئا فقعد ، وقال عليه السلام : « ألا وقول الزّور » ، وقال عليه السلام : « كل خصلة يطبع اللّه عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب » . فصل الكذب حرام في كل شيء ، إلا لضرورة اعلم أن الكذب حرام في كل شيء ، إلا لضرورة ، حتى قالت امرأة لولدها الصغير تعال حتى أعطيك ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وما ذا كنت تعطينه لو جاء ؟ » قالت : تمرة . قال : « أما لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة » . فليحذر الإنسان الكذب حتى في التخيّل وحديث النفس ، فإن ذلك يثبت في النفس صورة معوجّة حتى تكذب الرؤيا فلا تنكشف في النوم أسرار الملكوت ، والتجربة تشهد بذلك . نعم إنما يرخص في الكذب إذا كان الصدق يفضي إلى محذور آخر أشد من الكذب ، فيباح كما تباح الميتة إذا أدى تركها إلى محذور أشد من أكلها ، وهو فوات الرّوح . قالت أم كلثوم - رضي اللّه عنها : « ما
--> ( 1 ) مدرة : طين .